تقرير بحث الشيخ محمد السند لسيد بحر العلوم

34

الإمامة الإلهية

إذن أصل فكرة الوساطة والسببية والوسيلة سنّة إلهية تكوينية سنّها الله عزّ وجلّ في خلقة الممكنات ، وحينئذ نقول : إنه مما اتفقت عليه طوائف المسلمين وفرقها أن السنّة التشريعية لا تخالف السنّة التكوينية ، فالشريعة تتناسب وتتلاءم مع الخلقة والفطرة التكوينية ، كما قال تعالى : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ( 1 ) . وهذا بيان عقلي واضح دالّ على ضرورة التوجّه والتوسّل بالمقرّبين وبالمخلوقات الكريمة على الله تعالى ، وهذه هي الحفاوة التي استند إليها آدم وإبراهيم ( عليهما السلام ) في إستغفارهما إلى الله تعالى . وبعبارة أخرى : إن من المعاني والحقائق الذاتية للقرب والمقرَّب أن الاقتراب إلى المقرَّب ( بالفتح ) يُقرِّب ; لأنّه مقتضى قربه ، كما أن الابتعاد عنه ابتعاد عمّن هو قريب إليه بمقتضى قربه أيضاً ، وهذه القاعدة غير مختصّة بالقرب والبعد المكاني ، بل هي مطّردة في كلّ أنماط القرب والبعد على الصعيد المعنوي ، من كمالات الوجود من العلم والقدرة والحياة والنور ، وعلى ضوء ذلك يكون بيان الشرع لكون شيء مقرّب هو بنفسه تحضيضاً وتشريعاً للتوسّل به والتقرّب إلى الله بالتوجّه إليه ، وهذه الدلالة بديهية فطرية يدركها عامّة البشر بفطرتهم ، فإن إعطاء المالك وذو القدرة والعظمة والعزّة لشيء القرب واتخاذه مقرّباً يلازم إعطاءه مقام الشفاعة ، فيلازم الإذن بالاستشفاع والتوسّل به ، كما أن إنكار الإذن بالتوسّل والاستشفاع به إنكاراً لكونه مقرّباً ، وبالتالي يستلزم الإنكار تكذيب المالك والاعتراض عليه في اتخاذه ذلك الشيء مقرّباً ، وكذلك الحال

--> ( 1 ) سورة الروم 30 : 30 .